القاضي سعيد القمي

75

شرح توحيد الصدوق

الشيء المحسوس بقوّتها الحسّيّة فتقشّرها تقشيرا ما إلى أن يستعدّ ذلك الشيء المقشّر للوصول إلى القوى الباطنة المدركة للأمور المتوسّطة بين المحسوس والمعقول ، ثمّ تقشّرها تلك القوّة تقشيرا تامّا فتعرضها على القوّة العاقلة فتصير غذاء للنّفس وجزءا لها وترجع إلى المرتبة التي ابتدئ منها . وسادستها ، انّ الإدراك لا يمكن إلّا بالإحاطة أي إحاطة القوّة إلى الشيء إحاطة تكون كأنّها هو ، أو هو كالجزء لها . وقد شهدت بذلك الأخبار عن الأئمة الأطهار كقولهم : « لا تحيط به الأوهام » « 1 » إلى غير ذلك وقال تعالى : وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً « 2 » والإحاطة الغير المقدارية لا تكون الّا من طريق العليّة واشتمالها على المعلول اشتمالا كأنّها باطنه وهو الظّاهر منها . وقد سبق انّ المعلول هو ظاهر ما في العلّة وأثر لما في باطنها من الحقائق المندمجة فيها . وهذه الفوائد ، كلّها ، مقدّمات جليّة غير خافية على من له أدنى تدرّب في الحكمة المتعالية . وأنت إذا تذكّرت لذّة الفوائد الشريفة في أنفسها ، النافعة في المقدّمة التي نحن بصددها ، فاستمع ما ذا يقرع سمعك ممّا لم تجده في زبر السّابقين : فنقول « 3 » : لا ريب انّ من جملة تلك الرّوازن ، شبكة العين الّتي إدراكها للمبصرات انّما هو بتوجّه النّفس إلى ظواهر الأشياء ، بحيث تصل إلى الألوان والأضواء وهذا التّوجّه انّما يتيسّر بأن تنطبع النّفس في المادّة الموضوعة للآليّة حتّى تصير كأنّها صورة ماديّة وقوّة حسيّة ، فتتمكّن من إدراك هذا النّحو من المحسوس . وإذا أدركت شيئا عقليّا من الحقائق التي تشعّبت منها بالالتفات والتوجّه إليه على معنى رجوعها إلى ذاتها ، وجدت في ذاتها صورة مطابقة لها هي أصل تلك الحقيقة العقلية ، بل عينها ؛ فالقدماء الأخيار بعضهم نظروا إلى انقشاع تلك السحابة عن النفس بسبب

--> ( 1 ) . التوحيد ، باب 36 ( باب الرد على الثنوية والزنادقة ) ص 262 . ( 2 ) . طه : 110 . ( 3 ) . فنقول : فيقول ب .